لسان الدين ابن الخطيب

16

الإحاطة في أخبار غرناطة

قال : ثم مال على الأرض ، فبادرنا إليه فوجدناه ميّتا ، فحفرنا له لحدا ، وغسّلناه وكفّنّاه في رداء وصلّينا عليه ، ودفنّاه . وفاته : وفاة المترجم به سنة خمسين وستمائة . محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري « 1 » من أهل غرناطة ، يكنى أبا عبد اللّه ، ويعرف بابن بيبش « 2 » . حاله : كان « 3 » خيّرا ، منقبضا ، عفّا ، متصاونا ، مشتغلا بما يعنيه ، مضطلعا « 4 » بالعربية ، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة ، مشاركا في الطّب ، متعيّشا من التّجارة في الكتب ، أثرى منها ، وحسنت حاله . وانتقل إلى سكنى سبتة ، إلى أن حططت بها رسولا في عام اثنتين وخمسين وسبعمائة ، فاستدعيته ونقلته إلى بلده ، فقعد للإقراء به إلى أن توفي . وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه « 5 » : معلّم مدرّب ، مسهّل مقرّب ، له في صنعة العربية باع مديد ، وفي هدفها سهم سديد ، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد ، خاصيّ المنازع مختصرها ، مرتّب الأحوال مقرّرها ، تميّز لأول وقته بالتّجارة في الكتب فسلّطت عليها « 6 » منه أرضة آكلة ، وسهم أصاب من رميتها شاكلة « 7 » ، أترب بسببها وأثرى ، وأغنى جهة وأفقر أخرى ، وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة « 8 » مسقط رأسه ، ومنبت غرسه ، وجرت عليه جراية من أحباسها « 9 » ، ووقع عليه قبول من ناسها ، وبها تلاحق به الحمام ، فكان من ترابها البداية وإليه التمام . وله شعر لم يقصر فيه عن المدى ، وأدب توشّح بالإجادة وارتدى . مشيخته : قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير ، وعلى الخطيب أبي عبد اللّه بن رشيد ، والوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي ، والأستاذ عبد اللّه بن الكمّاد ، وسمع على الوزير المسنّ أبي محمد عبد المنعم بن سماك . وقرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي .

--> ( 1 ) ترجمة العبدري في الكتيبة الكامنة ( ص 90 ) وبغية الوعاة ( ص 100 ) والدرر الكامنة ( ج 4 ص 358 ) ونفح الطيب ( ج 7 ص 358 ) و ( ج 8 ص 379 ) . ( 2 ) في بغية الوعاة : « بليش » . وفي الكتيبة : « بيش » . ( 3 ) النص في بغية الوعاة ( ص 100 ) بتصرف . ( 4 ) في البغية : « متضلعا » . ( 5 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 379 - 380 ) . ( 6 ) في النفح : « منه عليها » . ( 7 ) في النفح : « الشاكلة » . ( 8 ) كلمة « غرناطة » غير واردة في النفح . ( 9 ) الأحباس : الأوقاف . لسان العرب ( حبس ) .